لا شك أننا ننتمي إلى بلد مترامي الأطراف، متعدد الثقافات، ومتنوّع البيئات، وكان يمكن لهذا التنوع أن يكون مصدرَ ثراءٍ ثقافي يعزّز الوجدان الجماعي. غير أنّنا نلاحظ، للأسف، أنه تحوّل في كثير من الأحيان إلى عامل يؤجّج نزعات الانكفاء على الذات، ويُضعف التماسك الاجتماعي والوطني، بل إن هذه النزعات تسلّلت حتى إلى أوساط المتعلمين.
وإذا ما بحثنا في أسباب ذلك، نجد من بينها الأحداث السياسية والحروب التي شهدتها تشاد، إضافة إلى تقاعس الحكومات المتعاقبة عن القيام بدورها في تعزيز الوحدة الوطنية والعيش المشترك، بل واستغلال هذه العوامل أحيانًا لخدمة مصالح ضيقة.
ومن الملاحظ أيضًا أن التشادي في أقصى الشمال لا يعرف عن أخيه في أقصى الجنوب سوى الصور النمطية السلبية التي توارثتها الأجيال، والتي تُصوّر الآخر على أنه متخلّف أو أدنى منزلة أو ينبغي الابتعاد عنه. وهذه الصور المختزلة تُعمّق الفجوة وتغذّي سوء الفهم.
وفي هذا السياق، يمكن لوسائل الإعلام أن تؤدي دورًا محوريًا في تجسير هذه الهوة، وتقريب المسافات بين سكان بايبوكوم وأوزو، وبين أدري وباقاسولا، عبر إبراز القواسم المشتركة، والتعريف بالتنوع الثقافي في إطار الوحدة.
وقد برزت في الآونة الأخيرة مهرجانات للفنون والثقافة تخصّ قوميات ومجتمعات تشادية، وأحيانًا ذات امتدادات في دول الجوار. ونأمل أن تكون هذه المهرجانات بوتقةً لتعارف التشاديين فيما بينهم، وأن يتمّ تنظيمها بشكل متنقّل بين مختلف الأقاليم. وهو مشروع ينبغي أن تضطلع به وزارة الثقافة والسياحة، مع التركيز على ما يجمع التشاديين بدل ما يفرّقهم، والابتعاد عن آفات المجتمع المتمثلة في العنصرية والقبلية والجهوية.
غير أن هذا التوجّه، مع الأسف، بدأ ينحرف في بعض الحالات، كما هو الحال في مهرجان داري خلال السنوات الأخيرة، حيث طغت عليه نزعات لا تخدم هدف الوحدة الوطنية، مما يستدعي إعادة تصويب مساره ليعود فضاءً جامعًا لكل التشاديين، لا ساحةً لإعادة إنتاج الانقسامات