في خضم النقاشات المتجددة حول إصلاح المنظومة التربوية في تشاد، يطفو إلى السطح مجدداً جدل قديم يتعلق بالوزير محمد أحمد الحبو واتهامات طالما وجهت إليه بحذف مادة التربية الإسلامية من الشهادة الثانوية ومعاداة اللغة العربية، غير أن التمحيص الهادئ في الوقائع يبين أن هذه السردية، التي ترسخت في الوعي العام تحتاج إلى مراجعة موضوعية.

للوقوف على خلفيات هذا الجدل، لا بد من العودة إلى سياقه السياسي خاصة خلال انتخابات عام 2001، عند ترشح الراحل ابن عمر محمد صالح للرئاسيات عن الحزب الذي يتزعمه الحبو اليوم، وُظف موضوع “حذف معدل التربية الإسلامية” على نطاق واسع لأغراض سياسية، في سياق منافسة محتدمة، خاصة أن المرشح ينحدر من منطقة عُرفت تاريخيا باهتمامها بالدين الإسلامي واللغة العربية. وقد بلغ هذا التوظيف حد استدعاء القضية إلى المنابر، بما في ذلك خطب الجمعة، لكن مع قلب للوقائع وتبسيط مخل لحقيقة القرار.

لكن ما حقيقة القرار الذي اتخذ عام 1994 حين كان الحبو وزيراً للتربية الوطنية؟

خلافاً لما يُشاع استمر تدريس مادة التربية الإسلامية و يُمتحن فيها طلاب المدارس العربية وتُرصد لهم درجاتها و قد تعامل الحبو مع إشكالية قائمة ورثها عن سابقيه، ومن بينهم عبد الكريم فضيل منقار وقالي انقاتا قوتي. وتمثلت هذه الإشكالية في غياب التوازن بين المسارين التعليميين (العربي والفرنسي) على مستوى المواد الممتحن فيها ضمن الشهادة الثانوية.
لم يتم حذف مادة التربية الإسلامية من الامتحانات، غير أن الإشكال كان يكمن في احتساب هذه المادة ضمن المعدل العام في ظل نظام تعليمي مزدوج: مسار عربي وآخر فرنسي، حيث لا يدرس طلاب المسار الفرنسي المادة نفسها.
هنا تبرز معضلة العدالة التربوية: كيف يمكن احتساب معدل عام موحّد لطلاب يمتحنون في عدد مختلف من المواد؟

لو افترضنا أن طالبا في المسار العربي أدبي حصل على علامة مرتفعة في التربية الإسلامية، في حين لا يمتحن نظيره في المسار الفرنسي أدبي هذه المادة أصلا، فإن احتسابها ضمن المعدل سيمنح أفضلية غير متكافئة لطرف على حساب الآخر.
أمام هذا الإشكال كان أمام صانع القرار خياران:
إما تعميم مادة التربية الدينية على جميع الطلاب، وهو خيار يطرح بدوره إشكالات مرتبطة بطبيعة الدولة و علمانيتها، أو حذف المادة من أحد المسارين لتحقيق التوازن.
الحل الذي اعتُمد كان حلا وسطا: الإبقاء على تدريس التربية الإسلامية وامتحانها في المدارس العربية، مع عدم احتسابها ضمن المعدل العام للشهادة، وهو حل يمكن اعتباره محاولة للتوفيق بين الحفاظ على المادة من جهة، وضمان قدر من المساواة بين المسارين من جهة أخرى.

غير أن هذا القرار، رغم طابعه التقني، لم يُقرأ دائما في سياقه، بل جرى تقديمه في بعض الأحيان على أنه “إلغاء” للمادة، وهو ما ساهم في ترسيخ صورة سلبية استمرت لسنوات، ورغم وضوح هذا التفسير، استمرت رواية “حذف التربية الإسلامية” في التداول، أحيانا عن قناعة، وأحيانا نتيجة تراكم خطاب سياسي وإعلامي لم يُدقق في تفاصيل  صورة لا تعكس بدقة ما جرى.

العربفون في وادي والفرانكوفون في وادي آخر

اليوم ومع عودة الحبو إلى الواجهة من خلال قرار إلزامية تدريس اللغة العربية في جميع المراحل الدراسية، يتجدد النقاش في سياق مختلف. فهذا القرار يمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ الثنائية اللغوية، التي طالما ظلت شعاراً أكثر منها واقعاً فعليا، وخطوة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة "ولابد من صنعاء وإن طال السفر" .

وقد سبق أن تناولت هذه الإشكالية في مقال نشرته عام 2007 بصحيفة «الأيام» التشادية تحت عنوان "الثنائية خدعة سياسية"، حيث انتقدت آنذاك جملة من الاختلالات التي مست وضع اللغة العربية من بينها اعتبارها لغة اختيارية في المدارس الفرنسية مقابل إلزامية تدريس الفرنسية في المدارس العربية، وهو ما يعكس خللا بنيويا في تطبيق مبدأ الثنائية.

بطبيعة الحال، أثار القرار ردود فعل متباينة، خاصة لدى بعض الفاعلين خصوصا من الجنوب الذين يرون في العربية امتداداً دينياً أو ثقافياً بعينه، يقول البعض ان الزامية العربية هي الشجرة التي تخفي وراءها غابة الإسلام، يفضلون بدلا عنها اللغة الانجليزية، وهو ما يعكس إشكالية أعمق تتعلق بخلط اللغة بالدين، في حين أن اللغة في جوهرها أداة تواصل ومعرفة تتجاوز الانتماءات الضيقة.

إن الجدل الدائر اليوم، كما في الأمس، يكشف الحاجة إلى نقاش وطني هادئ ومسؤول حول قضايا التعليم والهوية، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الأحكام المسبقة. فالإصلاح التربوي لا يمكن أن ينجح إلا إذا بُني على فهم دقيق للوقائع، وعلى إرادة جماعية لتحقيق العدالة والتوازن داخل المنظومة التعليمية.

في النهاية قد نختلف في تقييم السياساتوالقرارات لكن من الضروري أن نُميّز بين الوقائع كما حدثت، والصور التي تُبنى حولها مع مرور الزمن. فبين الحقيقة والسردية، تضيع أحياناً تفاصيل جوهرية تستحق أن تُروى كما هي.