قوري تحتضن مباحثات ثنائية حول العودة الطوعية وتأطير الترحال العابر للحدود
الأيام –
في خطوة تعكس توجهاً جديداً نحو معالجة الملفات الإنسانية والحدودية بين تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، احتضنت مدينة غوري، من 26 إلى 28 مارس 2026، لقاءات ثنائية رفيعة المستوى خُصصت لبحث إعادة إطلاق العودة الطوعية للاجئين، إلى جانب تنظيم الترحال العابر للحدود بين البلدين.
وتندرج هذه المبادرات في سياق الجهود الرامية إلى احتواء التحديات المرتبطة بحركة السكان والرعاة في المناطق الحدودية، وما يرافقها من رهانات إنسانية وأمنية واجتماعية واقتصادية، خاصة في الشريط الحدودي الذي ظل لسنوات طويلة فضاءً هشاً تتقاطع فيه أزمات اللجوء، وضغوط الترحال، وإكراهات التعايش المحلي.
عودة بعد أكثر من عقدين
اللقاء الذي احتضنته غوري، حاضرة مقاطعة نيا-بندي التابعة لولاية اللوقون الشرقي، شكّل محطة بارزة في مسار التعاون بين انجامينا وبانغي، إذ تم خلاله الإعلان عن الانطلاقة الرسمية لعملية العودة الطوعية للاجئين من جمهورية إفريقيا الوسطى المقيمين في جنوب تشاد منذ اندلاع الأزمة الأمنية في بلادهم عام 2003.
ويعني هذا التطور، من حيث رمزيته وتوقيته، فتح صفحة جديدة في ملف إنساني ظل مفتوحاً لأكثر من 23 عاماً، بعد أن تحولت مناطق جنوب تشاد إلى ملاذ لآلاف اللاجئين الفارين من تداعيات النزاع وعدم الاستقرار في إفريقيا الوسطى.
وقد جرت أعمال هذه المشاورات في مقر محافظة نيا-بندي، تحت إشراف الأمين العام لوزارة العمل الاجتماعي والتضامن والشؤون الإنسانية، أدوم عطور أنور، وبمشاركة مسؤولين إداريين وأمنيين، إلى جانب ممثلين عن الشركاء الدوليين والهيئات المعنية بالشأن الإنساني.
تنسيق تشادي ـ إفريقي وسطي
وشهدت الاجتماعات حضور المفوّض العام للحكومة لدى ولاية اللوقون الشرقي، الجنرال توكي دادي، ومن الجانب الإفريقي الوسطي والي إقليم يادِه، بارتيليمي ويليكون، حيث انصبت المداولات على الشروط السياسية والأمنية واللوجستية الكفيلة بضمان عودة آمنة وكريمة ومستدامة للاجئين إلى مناطقهم الأصلية.
وبدا واضحاً من خلال النقاشات أن الطرفين يسعيان إلى تجاوز المقاربة الظرفية، والانتقال نحو مقاربة أكثر استدامة، تقوم على تأمين العودة، وتسهيل الإدماج، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار للعائدين، في ظل إدراك مشترك بأن العودة بعد غياب طويل لا يمكن أن تتم بمعزل عن ترتيبات ميدانية دقيقة.
وفي هذا الإطار، أكد المسؤولون التشاديون أن نجاح العملية يتطلب تنسيقاً وثيقاً بين السلطات الإدارية والأمنية والإنسانية، بما يتيح مرافقة اللاجئين العائدين منذ لحظة مغادرتهم وحتى استقرارهم النهائي في بلدهم.
الرهان الإنساني والأمني
ويكتسي هذا المسار أهمية خاصة بالنظر إلى الطبيعة المركبة لملف اللاجئين في المنطقة، حيث لا يتعلق الأمر بمجرد نقل سكاني عكسي، بل بإدارة تحول إنساني واجتماعي وأمني معقد، يرتبط بإعادة بناء الثقة، وتأمين مناطق العودة، وتوفير ظروف الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
كما أن طول مدة اللجوء يفرض تحديات إضافية، إذ إن كثيراً من اللاجئين المقيمين منذ سنوات طويلة في الجنوب التشادي باتوا مرتبطين بسياقات اجتماعية ومعيشية جديدة، ما يجعل العودة في حد ذاتها عملية حساسة تحتاج إلى إعداد نفسي وإداري ومجتمعي، فضلاً عن الترتيبات الأمنية واللوجستية.
وفي المقابل، عبّر الجانب الإفريقي الوسطي عن استعداده لتحمل المسؤولية الوطنية تجاه مواطنيه، مع التأكيد على أهمية مواصلة التنسيق مع الشركاء الدوليين لضمان أن تتم العودة في ظروف تحفظ الكرامة وتمنع تكرار الهشاشة السابقة.
الترحال العابر للحدود على طاولة النقاش
وبالتوازي مع ملف اللاجئين، خصصت الأطراف المشاركة جانباً مهماً من النقاشات لبحث قضية الترحال العابر للحدود، التي تعد من أكثر الملفات حساسية بين المجتمعات المحلية في المناطق المشتركة بين البلدين.
وفي هذا الصدد، نُظمت يومي 27 و28 مارس ورشة عمل بإشراف منظمة كونكورديس إنترناشيونال، خُصصت لمناقشة اتفاق إطاري يرمي إلى تنظيم حركة الماشية بين تشاد وإفريقيا الوسطى، بما يحد من الاحتكاكات والنزاعات المرتبطة بالمسارات الرعوية والمياه والمراعي.
وتسعى هذه المقاربة إلى نقل ملف الترحال من دائرة التوترات الموسمية إلى فضاء الحوكمة المحلية المشتركة، عبر وضع قواعد واضحة لتحركات الرعاة والقطعان، وتعزيز آليات التنسيق بين السلطات المحلية والزعامات التقليدية والمجتمعات الحدودية.
ويرى متابعون أن نجاح هذا المسار قد يسهم في خفض بؤر التوتر الأهلي، خاصة في المناطق التي تتكرر فيها الاحتكاكات بين المزارعين والرعاة أو بين المجتمعات المحلية الوافدة والمقيمة، وهي نزاعات غالباً ما تتغذى على غياب التنظيم وندرة الموارد وضعف الوساطة المؤسساتية.
خارطة طريق نحو إعادة فتح الحدود
وخلصت اللقاءات إلى اتفاق مبدئي يقضي بـمواصلة المشاورات خلال شهر أبريل المقبل في بانغي، بهدف استكمال الترتيبات الفنية والقانونية المتعلقة بملفي العودة الطوعية للاجئين وتنظيم الترحال الحدودي.
كما ينتظر أن تفضي هذه المشاورات إلى وضع خارطة طريق مشتركة تمهّد، في مرحلة لاحقة، لـإعادة فتح الحدود بشكل رسمي بين البلدين، في إطار أكثر تنظيماً وتنسيقاً، وبما يراعي المقتضيات الأمنية والإنسانية والتنموية.
إرادة مشتركة لمعالجة الملفات الحدودية
ويعكس هذا الحراك الثنائي، في مجمله، إرادة سياسية متبادلة بين تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى للتعامل مع القضايا الحدودية بعقلية التعاون لا منطق الأزمة، من خلال مقاربة توازن بين الأمن، والبعد الإنساني، ومتطلبات التنمية المحلية.
وفي منطقة لطالما تأثرت بالاضطرابات وتداخل الأزمات، تبدو هذه الخطوة محاولة جادة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع والحدود، على أمل أن تشكل العودة الطوعية للاجئين وتنظيم الترحال مدخلاً عملياً نحو استقرار أكثر رسوخاً في الفضاء الحدودي المشترك.