عباس محمو طاهر
شهدت حكومة رئيس الوزراء ألاّماي هالينا تعديلاً فنياً يمكن وصفه بالطفيف من حيث الحجم لكنه يحمل في مضمونه دلالات سياسية وإدارية كبيرة ويعكس بوضوح حجم الضغوط التي فرضتها التطورات الأخيرة على الجهاز التنفيذي.
ويبدو أن استقالة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار الدكتور توم إرديمي كانت الحدث الأبرز الذي عجّل بهذا التعديل بل ويمكن وصفها بأنها القشة التي قصمت ظهر بعير الحكومة. فقد حبست هذه الاستقالة الأنفاس، ورفعت سقف التوقعات بشأن تغييرات أوسع، كما فتحت الباب أمام قراءة جديدة لمستقبل بعض الوجوه الوزارية التي وجدت نفسها، في نهاية المطاف، ضحية لتداعيات ملفات مرتبطة بإدارة الشأن العام.
شرومة يغادر تحت ضغط أزمة التعليم
من بين أبرز المغادرين، يبرز اسم وزير التربية الوطنية أبوبكر الصديق شرومة، الذي دخل في صراع حاد مع نقابة المعلمين على خلفية إضراب “حملة الطباشير”، وما أعقب ذلك من اقتطاع نصف رواتب المعلمين، في خطوة وُصفت بأنها سابقة غير معهودة في التعامل مع احتجاجات القطاع التربوي.
وقد خَلَفه في المنصب محمد أحمد الحبو، وهو اسم يعود إلى الوزارة بعد مسار سياسي وإداري قديم يمتد إلى بدايات عهد الرئيس الراحل المشير إدريس ديبي إتنو، وتحديداً في أولى الحكومات التي أعقبت المؤتمر الوطني المستقل قبل نحو ربع قرن. يعود الحبو ولكن بدرجة وزير دولة، تاركاً منصبه السابق أمينا عاما برئاسة الجمهورية شاغراً ليفتح باب التهكنات من جديد.
ولم تكن مغادرة شرومة منفردة، إذ غادر معه أيضًا أمين الدولة في التربية الوطنية أحمد يوسف طاهر في ما يبدو أنه إعادة ترتيب كاملة لقيادة هذا القطاع الحساس.
وزير الرياضة يدفع ثمن الإخفاق
وفي قطاع الشباب والرياضة، غادر الوزير مايدي حامد لوني منصبه بعد ساعات فقط من هزيمة منتخب “الساو” في مباراة الإياب أمام بوروندي، وهي خسارة جاءت بعد هزيمة ثقيلة سابقة برباعية نظيفة على أرض الساو وأمام جمهوره ، وتجاذباته مع لجنة تنظيم المباراة قبل تدخل رئيس الوزراء وحل المشكلة ما جعل الإخفاق الرياضي يتحول سريعًا إلى كلفة سياسية داخل الحكومة.
وقد تم تعيين أبكر ناير وزيرًا جديدًا للشباب والرياضة، في خطوة تبدو مرتبطة مباشرة بمحاولة امتصاص الغضب الشعبي وإعادة الثقة في إدارة القطاع الرياضي.
مغادرة مفاجئة لوزير العدل
أما المغادرة التي أثارت قدراً من المفاجأة، فهي خروج وزير العدل المكلف بحقوق الإنسان يوسف توم من الحكومة، وهو منصب حساس ظل محل متابعة في ظل تعقيدات المرحلة السياسية والقانونية التي تمر بها البلاد.
وقد خلفه في هذا المنصب أليكس نيامباي، التي كانت تتولى سابقاً حقيبة البترول، في إشارة قد تعكس رغبة السلطة في إعادة توزيع التوازنات داخل الحكومة أكثر من مجرد تغيير تقني للأسماء.
وجوه جديدة… ورسائل سياسية
ومن بين أبرز الداخلين إلى التشكيلة الحكومية الجديدة، برز اسم الدكتور سيتاك يومباتينا، الذي كان يُعرف سابقًا بأنه نائب سكسِيه ماسرا في الحزب، قبل أن يتم تعيينه وزيرًا للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.
ويحمل هذا التعيين إشارة سياسية لافتة، بالنظر إلى الخلفية الحزبية للرجل، والتوقيت الذي جاء فيه التعيين حيث يقبع زميله السابق في السجن على خلفية أحداث منداكاو والذي يقضى عقوبة عشرين عاما نافذة، وما قد تعنيه الخطوة من محاولة توسيع دائرة الاستيعاب أو إعادة تشكيل بعض التوازنات السياسية داخل السلطة.
كما شهد التعديل عودة الوزير السابق هاليكي شوا إلى الحكومة، ليتولى وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات والاقتصاد الرقمي، في عودة توحي بأن الحكومة ما تزال تراهن على بعض الخبرات الإدارية السابقة لإدارة القطاعات ذات الطابع التقني والاستراتيجي.
ترقية ليمان محمد… واستحداث وزن جديد داخل الحكومة
ومن بين أبرز من شملهم التعديل ترقية في المهام يبرز اسم ليمان محمد، الذي يُنظر إليه على أنه أحد أبرز مهندسي المرحلة الانتقالية حيث أصبح نائباً لرئيس الوزراء مكلفاً بإدارة الأراضي واللامركزية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، لأنه أول من يتولى هذا المنصب بعد التعديل الأخير للدستور، ما يمنح هذه الترقية بعداً مؤسساتياً وسياسياً يتجاوز مجرد الترفيع الإداري.
الاستمرارية هي العنوان الأبرز
ورغم ما أثاره التعديل من نقاشات، إلا أن الملاحظة الأساسية تبقى أن أغلب الوزراء احتفظوا بحقائبهم، وهو ما يشير إلى أن السلطة فضلت المعالجة الانتقائية بدلاً من الذهاب إلى هزة حكومية واسعة.
وبذلك يمكن القول إن هذا التعديل وإن بدا محدوداً في حجمه، إلا أنه عميق في رسائله؛ إذ يكشف عن مغادرة البعض على خلفية أزمات قطاعية، ويعكس في الوقت ذاته حرصاً على الحفاظ على توازنات قائمة داخل بنية السلطة.